ابن رضوان المالقي
16
الشهب اللامعة في السياسة النافعة
الرحلة معه ، فأقام بتونس حولا ولا نعرف العلة في بقائه بتونس هذا العام ، ولعله رأى أن ينتظر حتى ينجلي أمر السلطان أبي الحسن . وقد استفاض حينئذ أنه غرق مع بعض من أسطوله . ونصب ابنه أبو عنان نفسه ملكا على المغرب ، ثم تبين نجاة السلطان ومحاولته العودة إلى ملكه ، ومحاربة ابنه أبي عنان له ، حتى توفي السلطان العظيم مكدودا مكروبا في حروبه مع ابنه أبي عنان . وانتزى الطاعون الجارف بتونس ، يأكل أهلها أكلا . ورأت البقية الباقية من أتباع السلطان وحرمه أن يخرجوا من تونس ، فحملهم صاحب شرطة أبي الحسن في تونس عامر بن محمد بن علي شيخ هنتانة في سفن إلى المرية بالأندلس ، ولحق ابن رضوان بهم ، وأقام مع حاشية السلطان بالمرية ، وفي هذه الأثناء دعاه أبو الحجاج سلطان الأندلس أن يستكتبه ، فامتنع . كان ابن رضوان كما قلنا من قبل قد قر قراره على ألا يخدم بني الأحمر ، وألا يعمل بأية حال بالأندلس ، وحين تيقن أشياع السلطان أبي الحسن في المرية من وفاته ، رجعوا إلى المغرب ووفدوا على السلطان أبي عنان ، ووفد معهم ابن رضوان ، ولم يتنكر له السلطان لا خلاصه لأبيه ، بل على العكس رعى له وسائله في خدمة أبيه ، واستكتبه ، واختصه بشهود مجلسه ، مع طلبة العلم بحضرته وكان رئيس الدولة وصاحب العلامة محمد بن محمد بن أبي عمرو التميمي وكانت له القوة والنفوذ لدى السلطان أبي عنان . وكان ابن أبي عمرو معجبا بابن رضوان . يعرف تماما علم الرجل وأمانته واخلاصه ، فاستخدمه حتى علق منه بدمه ، ولاية وصحبة ، وانتظاما في السمر ، وغشيان المجالس الخاصة ، بل كان ينيبه إذا غاب . وحينما ارسل السلطان ابن أبي عمرو إلى بجاية على رأس العساكر ، انفرد ابن رضوان بقلم الكتابة عن السلطان ، ولما عاد محمد بن أبي عمرو من مهمته ، سخط عليه السلطان ، وأقصاه وارسله ثانية إلى بجاية واليا عليها . وافرد ابن رضوان بالكتابة والعلامة . وكان ذلك في عام 754 ه . وصل ابن رضوان اذن إلى ما كان يصبو إليه . ونلاحظ أن الرجل كان على دين وخلق ، ولذلك لم يذكر أحد من المؤرخين أنه اشترك في مؤامرة أو سعى لأحد بوشاية ، انه من الافراد القلائل في هذا العهد المضطرب القاتم الملئ بالدسائس ، الذي توصل إلى مكانته الكبرى عن جدارة واستحقاق ، وقد بقي في عمله كصاحب القلم الاعلى والعلامة مدة ثلاث سنوات . ولا شك أن الدسائس